الشيخ محمد الصادقي الطهراني
282
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
شاهد الإلقاء - ترجّي المودة في المستقبل إذا زال الكفر : « عسى اللَّه أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة » . ثم هذه الآيات وإن كانت تنديداً شديداً من زاوية بمن اعتمل هذه العملية النكراء الخائنة ، ولكنها من زوايا أخرى بين محذرة الكفار المستغِلين ، ومربية البعض من المؤمنين الضالين هنا سواء السبيل . فهنالك نقف مرة أخرى وقفة الحائرين أمام عظمة العطف الرباني بشأن هؤلاء إذ يخاطبهم خطاب المؤمنين ، لا المنافقين ، رجاء رجوعهم عما فعلوا ، وندمهم عما افتعلوا كما فعلوا ، وكذلك العطف النبوي المعطوف إلى العطف الرباني بخلقة العظيم إذ لا يعجل بحاطب حتى يسأل : ( ما حملك على ما صنعت ؟ ) بكل رحابة صدر وحنان ، فلما صارحه بما قصد مجيباً عتاب الرسول صلى الله عليه وآله : ( لا تعجل عليّ يا رسول اللَّه ! إني كنت امرءاً ملصقاً من قريش ولم أكن من أنفسها ، وكان معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم بمكة ، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أصطنع إليهم يداً يحمون بها قرابتي ، وما فعلت ذلك كفراً ولا ارتداداً عن ديني واللَّه يا رسول اللَّه ما نافقت ولا غيَّرت ولا بدَّلت ، وإني أشد أن لا إله إلا اللَّه وأنك رسول اللَّه حقاً ) . « 1 » هنا يكف الصحابة عنه بقوله صلى الله عليه وآله : ( صدق ، لا تقولوا إلا خيراً ) ، ولينتهضه من عثرته من فوره ، دون مطاردة ومشاردة . ونجد خلاف هذا الحزم في الخليفة عمر ، إذ ينظر إلى العثرة ذاتها ، دون أن يفكر في علاجاتها : ( إنه قد خان اللَّه ورسوله والمؤمنين ، فدعني أضرب عنقه ) ، فأين علاج من علاج فيه كل فجاج وحراج ! وفي أحاديث عدة أن النبي صلى الله عليه وآله أجاب عمر : ( إنه شهد بدراً ، وما يدريك لعل اللَّه اطلع على أهل بدر فقال : اعلموا ما شئتم فقد غفرت لكم ) ، ولكنه لا يوافق الأصول الإسلامية لا كتاباً ولا سُنة ، فمن أعجب العجاب أن يرفع قلم التكليف عمن أتى
--> ( 1 ) . الفقرة الأولى في الدر المنثور ، والثانية في تفسير القمي